صديق الحسيني القنوجي البخاري
605
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن عباس نسخة قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] وليس للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ترك المبالاة بهم والالتفات إليهم ، فلا يكون منسوخا . ثم أكد هذا الأمر وثبت قلب رسوله صلى اللّه عليه وسلم بقوله : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ مع أنهم كانوا من أكابر الكفار وأهل الشوكة فيهم ، فإذا كفاه اللّه أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم بالأولى ، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحرث بن الطلاطلة ، كذا قال القرطبي ووافقه غيره من المفسرين . وقد أهلكهم اللّه جميعا يوم بدر ، وكفاه أمرهم في يوم أحد ، وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم ونقص على طول في ذلك . ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال : الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فلم بكن ذنبهم مجرد الاستهزاء بل لهم ذنب آخر وهو الشرك باللّه سبحانه ثم توعدهم فقال : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة اللّه سبحانه . ثم ذكر تسلية أخرى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ودفعه مكرهم فقال : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب وقد كان يحصل ذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني وإن كان مفوضا جميع أموره لربه . ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح اللّه سبحانه وحمده فقال : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي افزع إلى اللّه فيما نابك وافعل التسبيح المتلبس بالحمد أو فنزهه عما يقولون حامدا له على أن هداك للحق وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي من المصلين فإنك إذا فعلت ذلك كشف اللّه همك وأذهب غمك وشرح صدرك ، في الكلام مجاز ثم أمره بعبادة ربه فقال : وَاعْبُدْ رَبَّكَ من عطف العام على الخاص أي دم على عبادته إلى غاية هي قوله : حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قال الواحدي : قال جماعة المفسرين يعني الموت لأنه موقن به متيقن الوقوع والنزول ، لا يشك فيه أحد . وقال أبو حيان : إن اليقين من أسماء الموت وبنزوله يزول كل شك ، ووقّت العبادة بالموت إعلاما بأنها ليست لها نهاية دون الموت ، فلا يرد ما قيل أي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات . وايضاح الجواب إن المراد واعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادة واللّه أعلم بمراده .